المقريزي

106

المقفى الكبير

السلطان . فلم يجدا بدّا من إحضارهم والإنعام عليهم . وكانت البرجيّة أتباع بيبرس الجاشنكير قد قامت قياما كبيرا في إخراج السلطان إلى الكرك ، وسلطنة بيبرس . فما زال سلّار يتلطّف بهم حتّى كفّوا عن ذلك . فأقام منحصرا إلى أن دخلت سنة ثمان وسبعمائة ، [ ف ] عدّى السلطان النيل إلى برّ الجيزة ، وأقام يتصيّد عشرين يوما . وعاد إلى قلعة الجبل وقد اشتدّ خناقه وقوي تحكّم بيبرس وسلّار عليه ، ومنعاه التصرّف في شهوات نفسه من المأكل والمشرب لقلّة ما رتّب له . فلمّا عيل صبره ، أخذ يدبّر في الخلاص ، وأظهر أنّه يريد الحجّ لقضاء الفرض ، ومعه حريمه . وحدّث بيبرس وسلّار في ذلك ، فسألاه المهلة بالجواب حتى يستخيرا اللّه . وخرجا من عنده فجمعا خواصّهما وأعلماهم الخبر . فأعجب البرجيّة هذا ليتمكّنوا بخروجه من إقامة بيبرس في السلطنة ، وحسّنوا له تمكينه من السفر ، وهوّنوا عنده أمره وأنّه ما ذا عساه يخرج من يده ؟ - ونحو ذلك ، إلى أن مال إلى قولهم ، وأذن للسلطان في الحجّ ، وشرع هو وسلّار في تجهيز ما يحتاج إليه . وكتب لآقوس نائب الشام ولغيره بتجهيز الإقامات . وتمادى الأمر إلى العشرين من شهر رمضان منها . فقدّم الأمراء تقادمهم من الخيل والجمال بحسب مقدار كلّ منهم ، فقبل تقادمهم ، وركب في خامس عشرينه من قلعة الجبل ، ومعه الأمراء وسائر العسكر ، يريد السفر . وخرج الناس من كلّ جهة ، وتباكوا حوله أسفا على فراقه ، إلى أن نزل بركة الحاجّ . فودّعه الأمراء وعادوا . ورحل من ليلته ومعه من الأمراء [ 95 ب ] أيدمر الخطيري الأستادار ، وآل ملك الجوكندار ، وقرا لاجين أمير مجلس ، وبلبان أمير جندار ، وأيبك الروميّ أمير سلاح ، وبيبرس الأحمديّ ، وسنجر الجمقدار ، ويقطاي الساقي ، وسنقر السعديّ نقيب المماليك ، وخمسة وسبعون مملوكا . وعرّج من طريق الحجاز إلى جهة الصالحيّة بدرب الشام وعيّد بها . ورحل إلى الكرك فقدمها يوم الأحد عاشر شوّال ، فاستقبله الأمير جمال الدين آقوش الأشرفيّ ، المعروف بنائب الكرك ، وقام من خدمته بما يجب . فعبر السلطان القلعة من باب السرّ على فرسه ، وقد مدّ له الخشب « 1 » ، وكان له مدّة ما مدّ . فلمّا تقدّمت الدوابّ بالأثقال وعبرت الفرسان ، فعند ما تعدّت يدا فرس السلطان الجسر انكسر ، فسقطت رجلا الفرس ، ولم يبق إلّا أن يسقط في الخندق . فجذب عنان الفرس حتى سار به خارج الجسر وهو سالم . وسقط بعض الأمراء والمماليك من ورائه . واستقرّ السلطان بقلعة الكرك سالما . فتباشر الناس بقدومه وسلامته بعد ما أشفى على الهلاك . فلمّا اطمأنّ استدعى الأميرين أيدمر الخطيري وآل الملك ، وعرّفهما أنّه قد بطل عزمه على الحجّ واختار الإقامة بالكرك ليخلو أسره ويستريح ، وأنّه نزل عن السلطنة . فبكيا وقاما ووقعا يقبّلان الأرض ويسألانه الرجوع عن هذا ، وكشفا رءوسهما يتضرّعان إليه ، فلم يصغ إلى قولهما ، واستدعى علاء الدين [ علي ] بن أحمد ابن الأثير الموقّع - وكان قد سافر معه - وأمره أن يكتب إلى الأمراء بالسلام عليهم ، وأنّه عرض له ما منعه من الحجّ فأقام بالكرك ، وليس له رغبة في ملك مصر ، فليقيموا فيه من يختارونه ، فإنّي نزلت عنه من غير إكراه ولا إجبار - وسأل أن يتصدّق عليه بالكرك والشوبك . فكتب الكتاب ، وخلع السلطان

--> ( 1 ) السلوك 2 / 44 : ومدّ له الجسر ، وقد ساس خشبه .